شكيب أرسلان
63
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
حسنة لأهل مكة ، ينزلونها يوم عرفة ، والموقف منها على صيحة عند جبل متلاطىء ( أي متدان إلى الأرض ) وبها سقايات وحياض وعلم قد بني يقف عنده الإمام الخ . خبر عبد اللّه بن عامر بن كريز وقد ذكروا في أخبار عبد اللّه بن كريز العبشمي ، الذي كان من شجعان الصحابة ، وأسود فتوحات الإسلام ، وهو الذي فتح فارس ، وخراسان ، وسجستان وكابل ( بضم الباء ) أنّه اتخذ النّباج « 1 » ، وغرس فيها ، فهي تدعى نباج ابن عامر ، واتخذ القريتين ، وغرس بها نخلا ، وأنبط عيونا ، تعرف بعيون ابن عامر ، بينها وبين النباج ليلة على طريق المدينة ، وحفر الحفير ، ثم حفر السّمينة ، واتخذ بقرب قباء قصرا ، وجعل فيه زنجا ليعملوا فيه ، فماتوا ، فتركه ، واتخذ بعرفات حياضا ونخلا ، وولي البصرة لعثمان بن عفان ، فاحتفر بها نهرين ، وحفر نهر الأبلّة ، وكان يقول : لو تركت لخرجت المرأة في حداجتها على دابتها ترد كلّ يوم ماء وسوقا ، حتى توافي مكة ، وكان علي بن أبي طالب يقول عنه : إنّه فتى قريش ، مات سنة ( 59 ) . فالإسلام ولا سيّما العرب في أشد حاجة اليوم إلى رجال كعبد اللّه بن عامر بن كريز العبشمي الفاتح الماتح ، المعمّر المثمّر ، الذي كان مغرما بالعمارة حيث حلّ ، وأينما ارتحل ، وناهيك بمن يقول فيه أمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه : إنه فتى قريش « 2 » .
--> ( 1 ) هو بالكسر ككتاب اسم قرية . ( 2 ) قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من « الإصابة » : ولد على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وأتي به إليه وهو صغير ، فقال : هذا أشبهنا ، وجعل يتفل عليه ، ويعوّذه ، فجعل يتبلّع ريق النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّه لمسقيّ » وكان لا يعالج أرضا إلا ظهر -